الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
18
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقرأ حمزة والكسائي وخلف بَلْ عَجِبْتَ بضم التاء للمتكلم فيجوز أن يكون المراد : أن اللّه أسند العجب إلى نفسه . ويعرف أنه ليس المراد حقيقة العجب المستلزمة الروعة والمفاجأة بأمر غير مترقب بل المراد التعجيب أو الكناية عن لازمه ، وهو استعظام الأمر المتعجب منه . وليس لهذا الاستعمال نظير في القرآن ولكنه تكرر في كلام النبوءة منه قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه ليعجب من رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة يقاتل هذا في سبيل اللّه فيقتل ثم يتوب اللّه على القاتل فيستشهد » رواه النسائي بهذا اللفظ . يعني ثم يسلم القاتل الذي كان كافرا فيقاتل فيستشهد في سبيل اللّه . وقوله في حديث الأنصاري وزوجه إذ أضافا رجلا فأطعماه عشاءهما وتركا صبيانهما « عجب اللّه من فعالكما » . ونزل فيه وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ « 1 » [ الحشر : 9 ] . وقوله : « عجب اللّه من قوم يدخلون الجنة في السلاسل » « 2 » . وإنما عدل عن الصريح وهو الاستعظام لأن الكناية أبلغ من التصريح ، والصارف عن معنى اللفظ الصريح في قوله : عَجِبْتَ ما هو معلوم من مخالفته تعالى للحوادث . ويجوز أن يكون أطلق عَجِبْتَ على معنى المجازاة على عجبهم لأن قوله : فَاسْتَفْتِهِمْ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً [ الصافات : 11 ] دلّ على أنهم عجبوا من إعادة الخلق فتوعدهم اللّه بعقاب على عجبهم . وأطلق على ذلك العقاب فعل عَجِبْتَ كما أطلق على عقاب مكرهم المكر في قوله : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [ آل عمران : 54 ] . والواو في وَيَسْخَرُونَ واو الحال ، والجملة في موضع الحال من ضمير عَجِبْتَ أي كان أمرهم عجبا في حال استسخارهم بك في استفتائهم . وجيء بالمضارع في يَسْخَرُونَ لإفادة تجدد السخرية ، وأنهم لا يرعوون عنها . والسخرية : الاستهزاء ، وتقدمت في قوله تعالى : فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ في سورة الأنعام [ 10 ] . والتذكير بأن يذكروا ما يغفلون عنه من قدرة اللّه تعالى عليهم ، ومن تنظير حالهم بحال الأمم التي استأصلها اللّه تعالى فلا يتعظوا بذلك عنادا فأطلق لا يَذْكُرُونَ على أثر
--> ( 1 ) رواه البخاري في « مناقب الأنصار » وفيه قصة . ( 2 ) رواه البخاري في الجهاد .